لحام يمضي يوماً راعوياً طويلاً في البقاع الغربي
ويرفض الهجرة والتهجير ويطالب بعودة ابناء مشغرة
زحلة - من دانييل الخياط - جريدة النهار:
"الهجرة ممنوعة"، "احبوا بعضكم بعضاً"، "حافظوا على الايمان والقيم الانجيلية"، رسائل ثلاث كررها بطريرك الروم الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام في كل محطة من محطات زيارته الراعوية للبقاع الغربي امس، وتأتي بعد 45 عاماً من زيارة سلفه المثلث الرحمة مكسيموس الرابع عام .1949 وكانت ابرز محطاتها في بلدة مشغرة حيث خاطب البطريرك المسؤولين مطالباً اياهم "بالعمل على اخلاء البيوت التي لا تزال محتلة في البلدة وترميمها واعمارها، وبوضع مشغرة وعودة جميع ابنائها المسيحيين على اولويات مسؤولياتهم". وضمن عظته في القداس الذي احتفل به في كنيسة سيدة النياح في البلدة اشارة الى الغبن الذي يشكو منه ابناء الطائفة لجهة تراجع حصتهم في المناصب الرسمية، فقال: "ضعفنا ليس اننا اقلية وليس ان حقوقنا مهضومة، ووظائفنا في الدولة تتقلص، علينا ان نسعى لكي نحافظ على حقوقنا وحصتنا ومراكزنا في الدولة والمجتمع. ولكن الشر الاكبر والخسارة الاكبر عندما لا نعود نحب بعضنا بعضاً".
رافق لحام في جولته النائب البطريركي المطران سليم غزال وراعي ابرشية الفرزل وزحلة للطائفة المطران اندره حداد.
واستقبال لحام وصحبه لم يقتصر على ابناء الطائفة والمسيحيين، فقد لبست البلدات التي زارها ابهى حلاها وازدانت شوارعها بالاعلام اللبنانية والفاتيكانية وبصور الضيف الوافد وارتفعت عند مداخلها وفي شوارعها اقواس النصر واللافتات المرحبة بـ"صاحب المو اقف الشجاعة والجندي الاول في معركة المصير القومي" وبـ"راعي التسامح والوحدة الوطنية". وكان عبوره في كل بلدة يستمطر ارزاً وزهوراً فتعبق الاجواء برائحة البخور وتضج بأصوات قرع الاجراس مختلطة بأصوات المرنمين.
في محطات جولته الـ12 بدءاً بعميق حيث وافاه نائب رئيس المجلس الاعلى للروم الكاثوليك الوزير الياس سكاف مروراً بعانا، خربة قنافار، صغبين حيث استقبله النائب روبير غانم ووالده العماد اسكندر، الى باب مارع، عيتنيت، مشغرة التي كان له فيها الاستقبال الاكثر حشداً وبين مستقبليه النائب محمود ابو حمدان والوزير السابق سليمان طرابلسي وائمة البلدة ثم عين زبدة، فدير مار تقلا عين الجوزة حيث افتتح معرض الكتاب المسيحي السابع، الى مؤسسة يوحنا لودفيك شنلر للطائفة الانجيلية وجب جنين وتل ذنوب والمنصورة، كان البطريرك لحام يكرز بالتشبث بالارض وبالقيم المسيحية وبالوحدة المسيحية والوطنية التي لا تحققها سوى المحبة المتبادلة. وتطبيقاً لكلامه صلى امام مذبح الرب الواحد في كنائس تابعة لمختلف الطوائف المسيحية في المنطقة وتجلت الوحدة في موكب رجال الدين والفاعليات الوزارية والنيابية والبلدية والاختيارية والاهالي مسلمين ومسيحيين الذين رافقوا لحام في حله وترحاله في يومه الطويل في البقاع الغربي. والوجه الابرز للوحدة المسيحية كان في عميق التي تشترك في كنيستها كل الطوائف وهذا ما اعتبره البطريرك "نموذجاً لنا جميعاً".
وفي مشغرة، المحطة الرئيسة في الجولة البطريركية عقد لقاء في صالون كنيسة سيدة النياح شارك فيه الى سكاف وطرابلسي ومستقبلي لحام، راعي ابرشية مرجعيون للروم الكاثوليك المطران انطوان الحايك وقائمقام البقاع الغربي مانع المقداد، والامين العام للحزب الشيوعي فاروق دحروج ورئيس مجلس ادارة المصلحة الوطنية لنهر الليطاني ناصر نصرالله وفاعليات البلدة واهاليها. وتحدث المطران حداد قال: "في غمرة اجواء الحقد والبغض والقتل والانتقام وتدمير المباني، في هذه الموجة التي تجتاح العالم اليوم اتيتم الى مشغرة بعدما مررتم ببلدات عدة من هذا البقاع الجميل حاملين شعار بطريركيتكم السهر والعمل والمحبة. انتم تزرعون المحبة في منطقة امتازت دائماً بحب السلام والعيش الاخوي وتبادل العلاقات، لكنها تعرضت كالكثير من المناطق الاخرى لممارسات ليست من تاريخها ومن شيم اهلها وسببت لها هجرة الكثيرين من ابنائها واوجدت فراغاً في الوضع الديموغرافي. لكن اصالة ابناء البقاع الغربي سرعان ما تغلبت على الوضع وعاد الناس بعضهم الى بعض وركزوا حياة الاخوة والمحبة رغم تقاعس الدولة وقطاعاتها المسؤولة عن اعطاء الحق لاصحابه".
لحام
ثم القى لحام كلمة تحدث فيها عن دور مطارنة الطائفة مسمياً المطران اندره حداد والمطران الراحل نيقولاوس الحاج والمطران سليم غزال شاكراً خدماته وتضحياته في اعوام لحرب، حيث كان سيادته جسر العبور المفتوح دائماً بين جميع اللبنانيين، ورمز التعايش واليد الممدودة دائماً والوسيط المقبول بين جميع الاطراف، فكانوا يشعرون بانهم ليسوا اطرافاً متناحرين بل افرقاء واصدقاء، وهكذا ساعد في تنقية الذاكرة اللبنانية وجعل المعابر سالكة بين الناس، وفتح صفحة جديدة في حياة الكثيرين، ليبدأوا مسيرة وطنية لبنانية اخوية، مسيحية مسلمة جديدة، رغم رواسب الماضي المفجع والدموي".
واشاد بابناء مشغرة وسمّى الفنان زكي ناصيف.
وتناول الوضع العام وقال: "لا نكل من ترداد مقولتنا: لا للهجرة، لا للهجرة الداخلية من الريف الى المدينة ولا للهجرة البعيدة. ولكننا نريد ان يفهم المواطنون عموماً وابناؤنا خصوصاً اهمية العيش معاً والبقاء معاً والبناء معاً واعمار البلد معاً والعمل على ازدهاره معاً، وتحسين ظروف المعيشة معاً وتضامن الدولة بجميع مرافقها لخدمة المواطنين، والسعي معاً لتطوير طاقات هذا البلد ومرافقه المتشعبة، وتوفير فرص العمل وتسهيل الحصول على لقمة العيش.
واذا كنا نرفض الهجرة فكيف نرضى بالتهجير الذي اصاب خصوصاً هذه البلدة العزيزة وغيرها والذي لم تجد له الدولة الحل المناسب بعد. نحن نريد مشغرة على صورة لبنان الحضاري المتنوع الذي لا يستثني احداً من ابنائه في العملية التنموية وفي عملية اعادة المهجرين والاعمار. فعودة اهالي مشغرة الى بيوتهم ليست لمصلحة المسيحيين فقط انما تفيد اخوانهم المسلمين لانها ايضاً تساعد المسلم على عيش قيم الانفتاح وتبرز الوجه الحضاري للدولة التي تهتم بكل ابنائها وفي كل مناطقهم".
واضاف: "نحن كأب وبطريرك وراع ورئيس كهنة وطائفة لها كرامتها ومكانتها في هذا الوطن الحبيب، ارفع صوتي عالياً في هذه البلدة مشغرة مطالباً الدولة والمسؤولين المباشرين، بالعمل على اخلاء كل البيوت التي لا تزال محتلة في مشغرة وترميمها واعمارها ودفع التعويضات، وان يضعوا مشغرة وعودة جميع ابنائها المسيحيين، على اولويات مسؤولياتهم. هذا الامر لا يزال موضوع احباط ومرارة وحسرة في قلوب ابنائنا من هذه البلدة العزيزة الذين تعذبوا كثيراً بل سُفك دمهم، وآمل ان يسمع صوتي واقول مع يسوع المسيح طوبى للاذان التي تسمع اصوات الشعب وتتفاعل مع حاجاته وآلامه وتطلعاته. ولا يمكنني في هذه الزيارة إلا ان اذكر شهداء هذه البلدة الذين سقطوا في ظروف مختلفة. والتحدي الاكبر لكم جميعاً ايها الاحباء هو ان نقف صفاً واحداً في المقاومة ضد العدو المشترك، ولكن التحدي الاخر هو ان نفتح في الداخل وفي ما بيننا صفحة جديدة مشرقة بالمحبة والرجاء والاحترام، ناسين الماضي لنكمل العيش معاً في احترام متبادل وتضامن لاجل بناء هذه البلدة".
ورأى ان "هذه الامور كفيلة ان تنشر الامان والاستقرار في البلد الحبيب لبنان، وتزيد روابط المحبة والاحترام المتبادل بين الناس، وترفع مستوى المعيشة، بحيث يتمتع جميع المواطنين بالحقوق المتساوية وفرص العمل والوظائف في الدولة. "ان لبنان هو لجميع اللبنانيين، وجميع اللبنانيين هم للبنان. ومعا يبنونه ويرفعون شأنه محليا واقليميا وعالميا، ويساعدونه في التغلب على ازماته ومشاكله وتحسين اقتصاده وتطوير ازدهاره، بالتعاون مع جميع الدول الصديقة والمحبة سواء في البلدان العربية وعلى رأسها سوريا التوأم مع لبنان القريبة والواقفة الى جانبه في كل ازماته الداخلية والخارجية، مع الجيران او مع من يتربص حدوده".
وشكر، ختاما، للمستشار داود الصايغ والزميل غسان حجار تنظيمهما الزيارة.
وتوجه الجميع الى الكنيسة حيث ترأس لحام، يعاونه المطرانان حداد وغزال، القداس. وحضر ايضا نائب رئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي والنائبان فيصل الداود وروبير غانم وراعي ابرشية زحلة للموارنة المطران منصور حبيقة وسلفه المطران جورج اسكندر. والقى لحام عظة قال فيها: "ضعفنا ليس اننا اقلية وليس ان حقوقنا ربما مهضومة، ووظائفنا في الدولة تتقلص. علينا ان نسعى لنحافظ على حقوقنا وحصتنا ومراكزنا في الدولة والمجتمع. ولكن الشر الاكبر والخسارة الاكبر والشر الاعظم هو عندما لا نعود نتبادل المحبة، وعندما تفتر محبتنا بعضنا لبعض".